الحرب الامبريالية المفروضة والمأزق الاستراتيجي
الحرب الامبريالية المفروضة والمأزق الاستراتيجي
إن القوى الامبريالية حين تواجه أزمات انحدارها، تجد نفسها تحت ضرورة وضغط القيام بحروب إضافية لمحاولة إثبات قوتها واستعادة هيبتها وهيمنتها. إلا أن هذه الحروب الاضافية قد تؤدي الى تفاقم هذه الأزمات وبالتالي تسريع وتيرة الانحدار بدلاً من إبطائه.
ونقصد بالحرب الإمبريالية المفروضة، تلك الحرب التي يصبح فيها عدم خوضها أكثر خطورة من خوضها، خصوصا عند العلم بأن الظروف غير مؤاتيه تماماً، ولا سيما في ظل ضغط عامل الوقت ووجود خصوم مهيئين ويملكون القرار والارادة والامكانية للمواجهة.
سنركز في هذه المقالة على الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها القوة الإمبريالية التي تخوض الحرب وتتحمل كامل المسؤولية.
أما إسرائيل، فرغم وجودها في خضم أزمة وجودية، فهي فاعل إقليمي مساعد وتابع للولايات المتحدة وتعتمد كلياً عليها.
كانت المهمة الرئيسية التي وضعها دونالد ترامب لنفسه خلال فترة رئاسته الحالية هي استعادة عظمة الولايات المتحدة كإمبراطورية مهيمنة على العالم، أو على الأقل إبطاء تراجع هيمنتها.
: ولتحقيق هذه الغاية، سعت إدارة ترامب إلى معالجة تحديين رئيسيين عاجلين
1- التحدي الأول وهو عسكري، تمثل في مواجهة روسيا في أوكرانيا، حيث الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) يخسران المعركة العسكرية ضد روسيا، لا سيما فيما يتعلق بالقدرة الصناعية على إنتاج الأسلحة والذخائر. وقد تكون هذه الهزيمة استراتيجية أمام قوة عظمى مثل روسيا، مع عواقب وخيمة، سياسية، واقتصادية ومعنوية تشبه الهزات الارتدادية للزلازل.
في مواجهة هذا التحدي الأول، حاول ترامب إيجاد حلول مع روسيا، بهدف الانسحاب من الحرب وإلقاء اللوم في الهزيمة على الأوروبيين. إلا أن روسيا تواصل تنفيذ خططها في هذه الحرب، مما قد يؤدي إلى هزيمة الناتو، وبالتالي الولايات المتحدة، القوة الرئيسية له.
2- التحدي الثاني وهو ذو طبيعة اقتصادية وتكنولوجية، تمثل في مواجهة الصين. إذ حاول ترامب في مواجهة هذا التحدي فرض رفع التعريفات الجمركية على المنتجات الأجنبية لتشجيع إعادة توطين التصنيع الأميركية. إلا أن إعادة توطين التصنيع هذه لم تنجح، لأن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القوى العاملة الماهرة، ولا العدد الكافي من الفنيين والمهندسين لإعادة التصنيع، والتي، على أية حال، إن بدأت، ستستغرق سنوات عديدة. لذا، أدت هذه الزيادات في التعريفات الجمركية بالدرجة الأولى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم بالنسبة للمستهلكين الأميركيين.
علاوة على ذلك، في هذه الحرب التجارية، ردت الصين بالمثل، ثم استخدمت التهديد بحجب المعادن النادرة عن الولايات المتحدة، وهي معادن بالغة الأهمية للصناعات عالية التقنية وخاصة العسكرية منها، مما أجبر إدارة ترامب على التراجع، وبالتالي خسارة هذه المعركة الاقتصادية والتكنولوجية أمام الصين.
لذا، في مواجهة الفشل في هذين التحديين، شرعت إدارة ترامب في العمل على استعادة السيطرة على مصادر الطاقة، الغاز والنفط، في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، لابتزاز الصين، وأيضا لاستعادة هيمنة الولايات المتحدة عبر البترودولار.
وشمل ذلك أيضاً العمل على السيطرة على المواد الخام في أميركا اللاتينية، وهي مصدر رئيسي لاستخراج المعادن النادرة.
وفي هذا السياق، شهدنا العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا في يناير/كانون الثاني 2026، والتي أسفرت عن اختطاف الرئيس مادورو في انتهاك واضح للقانون الدولي، أعقبه فرض السيطرة على تجارة النفط الفنزويلي وإعادة بعضا من هيبة القوة الأميركية.
وفي الشرق الأوسط، شنت إدارة ترامب الحرب الأولى ضد إيران في يونيو/ حزيران 2025، أيضا في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وكان الهدف من هذه الحرب تغيير النظام في إيران أو على الأقل تغيير سلوكه، والسيطرة على موارد النفط والغاز الإيرانية والإقليمية للضغط على إمدادات الطاقة الصينية، وعزل الصين وروسيا في نهاية المطاف عن منطقة وسط وغربي اسيا.
إن فشل حرب يونيو/ حزيران 2025 ضد إيران فرض على الولايات المتحدة إعادة شن الحرب لعدة أسباب :
1- نتيجة حرب يونيو/ حزيران 2025 يعطي النصر لإيران، والتأكيد للعالم على إمكانية الصمود أمام الإمبراطورية، مما قد يشجع بلدان أخرى على انتهاج هذا النهج. بالإضافة الى أن ذلك سيزيد من التهديد الوجودي لإسرائيل، القاعدة العسكرية الغربية في المنطقة.
2- بعد حرب يونيو / حزيران 2025، إن سرعة معالجة إيران لنقاط الضعف التي لوحظت خلال الحرب واستعادة قوتها أقلقت الولايات المتحدة واسرائيل.
3- ثبات النظام الايراني وإفشاله محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي في يناير/ كانون الثاني 2026، وتحييد ومصادرة محطات ستارلينك التي تم إدخالها الى إيران.
4- ضيق النافذة الزمنية مع اقتراب نهاية الحرب العسكرية مع روسيا في أوكرانيا بانتصار روسي مع تداعياته.
5- فشل الحرب الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية مع الصين، وضرورة محاولة كبح جماحها عبر السيطرة على مصادر الطاقة قبل أن يصبح الوقت متأخرا.
6- فرضية قرب نهاية عصر حاملات الطائرات كعنصر أساسي في نشر وبسط النفوذ العسكري الأمريكي عبر العالم، خصوصا في عصر الصواريخ البعيدة المدى والفرط صوتية لصعوبة اعتراضها. ولقد تأكدت هذه الفرضية بسحب حاملة الطائرات الأميركية من البحر الأحمر خلال نزاع عام 2024 مع اليمن تحت تهديد صواريخ اليمن الفرط صوتية.
7- إن نجاح وسرعة العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا في يناير/كانون الثاني 2026 قد عزز ثقة إدارة الرئيس ترامب بإمكانية النجاح بعملية سريعة مماثلة في إيران.
8- ضغط الوقت مع دخول ولاية ترامب عامها الثاني من أصل أربعة أعوام، واقتراب موعد الانتخابات الأميركية النصفية.
9- مواجهة إسرائيل مآزق متعددة بسبب الحروب غير المحسومة في غزة ولبنان واليمن وإيران.
10- بالطبع، دون أن ننسى مختلف اللوبيات التابعة لشركات الأسلحة والمال ومراكز النفوذ في الولايات المتحدة الأميركية وحتى المصالح الذاتية لبعض رموز السلطة في الولايات المتحدة.
مجموع هذه العوامل دفعت الولايات المتحدة إلى شن هذه الحرب بسرعة، بل بتسرع، بهدف إسقاط النظام، أو على الأقل تغيير سلوك النظام في إيران، والسيطرة على النفط الإيراني والشرق أوسطي، وبالتالي استخدام الطاقة كعامل ابتزاز ضد الصين كما ذكر سابقا، وربما حتى تكرار حرب تخفيض أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي مع روسيا، والتي عجلت بانهيار الاتحاد السوفيتي.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن عدم شن هذه الحرب يعني قبول فشل حرب يونيو / حزيران 2025 ضد إيران، والإخفاقات العسكرية أمام روسيا، والإخفاقات الاقتصادية أمام الصين وانتظار أفول الامبراطورية وهذا ما لا تستطيعه أية امبراطورية عبر التاريخ.
هي إذا حرب مفروضة، مبنية على افتراضات محدودة، ومقامرات كبيرة، أو حتى فرضية تمزج بين حرب يونيو / حزيران 2025 مع إيران والعملية الفنزويلية في يناير/ كانون الثاني 2026، أي أن القضاء على رئيس الدولة سيؤدي إلى زعزعة استقرارها وسقوطها، أو على الأقل إضعافها وتغيير سلوكها، كما حدث في فنزويلا.
وأيضا مع فرضية إضافية، أنه في حال قاومت الدولة الايرانية واستمر الصراع، فقد يكون هناك مخرج من الحرب مشابه لما حدث في يونيو / حزيران 2025، إيقاف الحرب بعد أن تكون إيران قد أضعفت مرة أخرى.
! لكن، حتى الآن، نحن نرى أن هذه الفرضيات هي عبارة عن مقامرات لا تجري كما كان مفترضا
في هذه الحرب، كان للولايات المتحدة واسرائيل المبادرة بالضربة الأولى، ثم بدأت إيران بالرد بعدة مفاجآت منها :
1- المفاجأة الأولى: لم يؤدي اغتيال المرشد وبعض القادة إلى انهيار النظام بل أدى الى اشعال الوحدة الوطنية وتعزيز تماسك المجتمع والدولة.
2- المفاجأة الثانية: إيران بدأت هذه الحرب من حيث انتهت حرب يونيو / حزيران 2025، وشنّت هجمات واسعة على القواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة منذ البداية، بالتوازي مع الهجمات على إسرائيل.
3- المفاجأة الثالثة: منذ اليوم الأول أُحكمت إيران قبضتها على مضيق هرمز وتحكمت بحركة المرور عبره، مما أدى إلى ارتفاع سعر النفط من 60 دولارًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد.
هنا، في الواقع، يُجسّد مضيق هرمز وحده أزمة الإمبراطورية الأمريكية، التي كان من المفترض أن تكون وحدها مسؤولة عن السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم لتأمين حركة التجارة العالمية ومراكمة رأس المال.
والآن، لعجزها عن القيام بذلك بمفردها، تطلب المساعدة من حلفائها بل تابعيها الأوروبيين واليابانيين والكوريين الجنوبيين، الذين يرفضون الاستجابة، مما يُظهر تراجع هيمنتها على تابعيها أيضا مفاقما أزمتها كإمبراطورية. وفي نفس السياق، سيستنتج تابعيها الآخرين خصوصا في منطقة الخليج أن القواعد الأميركية هي مصدر تهديد لهم وللمنطقة لأن الولايات المتحدة لم تفعل شيئا لحمايتهم.
4- المفاجأة الرابعة: دخول الحشد الشعبي في العراق المعركة بهدف إخراج القواعد العسكرية الأمريكية من العراق، وأيضا العمل على منع أي تدخل خارجي في إيران عبر الحدود العراقية.
5- المفاجأة الخامسة: دخول حزب الله اللبناني الصراع بهدف تقويم الوضع الكارثي في لبنان والذي أعقب وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. حيث، خلال الخمسة عشر شهرًا التي تلت وقف إطلاق النار، وقع أكثر من 100000 انتهاك إسرائيلي، أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 لبناني وتدمير العديد من القرى في جنوب لبنان.
وهنا، يُشكّل تدخل حزب الله في منطقة الليطاني الجنوبية، وتحديدا في القرى الحدودية، مأزقًا خطيرًا لإسرائيل، كما المأزق الأميركي مع إيران، حيث تُجبر إسرائيل على خوض حرب ضد لبنان دون أي ضمانة للنجاح، بالتوازي مع الحرب ضد إيران. لأن عدم خوض هذه الحرب في لبنان يعني الاعتراف بعودة حزب الله إلى جنوب الليطاني وإلى الوضع الذي كان سائدًا قبل 08 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
6- المفاجأة السادسة: اليمن لا يدخل الحرب منذ البدء، بل يلعب دور الاحتياط الاستراتيجي، وخصوصا لإمكانية وقدرة وخبرة سيطرته المحتملة على مضيق باب المندب والبحر الأحمر الاستراتيجي للتجارة الدولية.
إن المأزق الاستراتيجي لهذه الحرب المفروضة عند الطرفين الأميركي والاسرائيلي واضح في ضيق الخيارات أمامهم، خصوصا في مواجهة خطر نفاذ مخزون صواريخهم الاعتراضية وفي الادارة المترددة للحرب وفي تناقضات تصريحات إدارة ترامب والحكومة الاسرائيلية: إعلانات متكررة عن النصر على الجبهتين، وتصريحات متضاربة حول التدخل البري، وتصريحات متكررة حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وتصريحات متكررة عن الاضعاف الكبير لحزب الله وما إلى ذلك…
لذلك اضطرت الولايات المتحدة الأميركية للقبول بالوساطة الباكستانية بوقف إطلاق النار على جميع الجبهات وفقا للنقاط العشر الايرانية. بعد ذلك، تحاول الادارة الأميركية الالتفاف على هذه الأسس واضافة حصار السفن الايرانية مما دفع إيران لاستمرار التحكم بمضيق هرمز الاستراتيجي ورفض استئناف المفاوضات في اسلام أباد.
إن محاولة أو فكرة استئناف الحرب، مع احتمال رفع مستوى حدتها أو طبيعتها أو اتساع نطاقها الجغرافي، قد يؤدي إلى تعاظم المأزق الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية والى ارتفاع متطارد في أسعار الطاقة، مما سيفاقم التضخم ويؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي، خصوصا عندما يغلق اليمن باب المندب والبحر الأحمر مفاقما بذلك الأزمة الاقتصادية العالمية.
أمام هذه المخاطر، سيمارس الرأي العام الأميركي والعالمي، الذي يعاني أصلاً من التضخم، وكذلك الشركات والدوائر المالية والبورصات، التي تخشى الركود، ضغوطاً لإيجاد مخرج من الحرب التي هي انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.
اذا، في هذه اللحظة من الصراع، لقد فشلت جميع أهداف الحرب الأمريكية : فالدولة الإيرانية قوية، والمجتمع الإيراني متكاتف ومتحد ومتضامن، والجيش الإيراني يرد على العدوان، وقوى المقاومة صامدة ومتضامنة خصوصا في لبنان.
لذا، المأزق الاستراتيجي يكبر ومخاطر تداعياته أيضا، وخصوصا تناقضاته الداخلية، والصراع يتحول إلى حرب استنزاف للأطراف المتحاربة وللاقتصاد العالمي وسيكون النصر حليف من يمتلك القدرة على المقاومة والصمود وتحمل الخسائر وبالتالي فرض شروطه.
د. يوسف الأحمد
24 نيسان 2026